الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

438

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

عاقل وعارف أن يحتمل أن هناك أمورا خافية على الله ثم تظهر له بمرور الأيام ، فهذا القول هو الكفر بعينه ، ولازمه نسبة الجهل وعدم المعرفة إلى ذاته المقدسة ، وأن ذاته محلا للتغيير والحوادث . وحاشا للشيعة الإمامية أن يحتملوا ذلك بالنسبة لذات الله المقدسة ! إن ما يعتقده الشيعة من معنى البداء ويصرون عليه ، هو طبقا لما جاء في روايات أهل البيت ( عليهم السلام ) : ما عرف الله حق معرفته من لم يعرفه بالبداء . كثيرا ما يكون - وطبقا لظواهر العلل والأسباب - أن نشعر أن حادثة ما سوف تقع أو أن وقوع مثل هذه الحادثة قد أخبر عنه النبي ، في الوقت الذي نرى أن هذه الحادثة لم تقع ، فنقول حينها : إن " البداء " قد حصل ، وهذا يعني أن الذي كنا نراه بحسب الظاهر سوف يقع واعتقدنا تحققه بشكل قاطع قد ظهر خلافه . والأصل في هذا المعنى هو ما قلناه في بحثنا السابق ، وهو أن معرفتنا مرة تكون فقط بالعلل الناقصة ، ولا نرى الشروط والموانع ونقضي طبقا لذلك ، ولكن بعد أن نواجه فقدان الشرط أو وجود المانع ويتحقق خلاف ما كنا نتوقعه سوف ننتبه إلى هذه المسائل . وكذلك قد يعلم النبي أو الإمام بأمور مكتوبة في لوح المحو والإثبات القابل للتغيير طبعا ، فقد لا تتحقق أحيانا لمواجهتها بالموانع وفقدان الشروط . ولكي تتضح هذه الحقيقة لابد من مقايسة بين " النسخ " و " البداء " : نحن نعلم أن النسخ جائز عند جميع المسلمين ، يعني من الممكن أن ينزل حكم في الشريعة فيتصور الناس أن هذا الحكم دائمي ، لكي بعد مدة يعلن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن تغيير هذا الحكم وينسخه ، ويحل محله حكما آخر ( كما قرأنا في حادثة تغيير القبلة ) . إن هذا في الحقيقة نوع من " البداء " ولكن في القضايا التشريعية والقوانين والأحكام يسمونه ب‍ " النسخ " وفي الأمور التكوينية يسمى ب‍ " البداء " ويقال